محمد المقداد الورتتاني
163
البرنس في باريس
في مثلها بوطنه مدة حياته وفي وسط من جنسه ، مثل أهاليها أرباب المعاشرة والمعارف وأصحاب العمل والهدو . وبلا شك يكونون كذلك سكان الأماكن التي جملتها يد القدرة وزركشتها أنامل العلم والاجتهاد . يوجد هذا كله حوالي كرونوبل الجميلة المنظر ، الشامخة الجبال ، المتواضعة بسايط المروج ، المشتبكة الغابات ، المجردة سيوف الأودية ، الباسمة الرياض . فبأي لسان يعبر عن محاسنها ؟ وبأي بنان يعرب عن منازهها ؟ ولا تسأل عن البصر يوم ودعت أهاليها وبارحت مياهها وظلها ، فقد كان الطرف من منافذ القطار يغتنم المشاهدات الأخيرة منها وهي مارة كمناظر السينما ، ولكن قدود جبالها لم تشح علينا بالوقوف ساعة من الزمن مثل سكانها ناظرة لنا نظرة مدع مخلص ، فكأنها علمت منزلة اعتبارنا لها فقابلتنا بالمثل . وأما الفكر فإنما تسلى عن البعاد لكونه أخذ بين جوانحه مناظر تلك البلاد . وما التسلي عند الوداع إلّا لتعليل النفس بإمكان الاجتماع . وهكذا جنيف وبحيرتها وفيفي ومنترو . فهاته الجهات نزهة الحواس وراحة الأفكار ولذة الحياة . ظاهر الأمر وباطن الحقيقة شاهدت ما شاهدت وكتبت ما كتبت على مناظر الأرض ومتاع الدنيا وأنا أعلم أن هذه المحاسن كلها في نظر العين لا نظر الفؤاد . والبصر كثيرا ما ينخدع كمشاهدته الشاطئ من السفينة حال سيرها يحسبه سائرا . ونظر الإنسان من القطار في مبدأ سيره إلى ما حواليه من الأشياء فيراها مارة به . ويحسب السحاب يسعى نحو القمر . والحقيقة خلاف ذلك . أما النظر بعين البصيرة لمثل هاته الجمادات من جبال ومياه وغابات فإنها ترى كلا شيء ولا تساوي جناح بعوضة أو قيمة خرذلة من نعيم الحياة الآخرة ، وما زخرف الحياة الدنيا ونعيم الأغنياء والأصحاء في ظاهر الأمر إلا غرور . ولو تتبعت أحوال هؤلاء واطّلعت على باطن أعمالهم لوجدتهم في عناء وأفئدتهم تردد كلمة « لا راحة في الدنيا » ، على أن المناظر الطبيعية وحطام هاته الحياة كيف يلذ لبشري يعلم أن من بين إخوانه وأحفاد أبيه آدم من يفترش التراب ، ويلتحف السحاب لا يملك من الدنيا قطميرا ، ولا يخلون